English
الرئيسية       اختصاصاتنا       المؤسسون       استشرنا       وظائف       اتصل بنا      
شجون مسلم

اجتمعنا بالشعائر ولم نجتمع بالقلوب


 

 

بقلم : المحامي جمال الخطاطبه

الحمد لله الذي يسر لي زيارته بيته العتيق وأداء مناسك العمرة ويسر لي زيارة قبر سيد الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم ، والسلام عليه وعلى أصحابه ، والصلاة في الروضة الشريفة وان لجزء كبيرا من الروح والقلب لباق هناك حيث الطمأنينة والسكينة . وتتجلى حكمة الخالق عز وجل بان تهوي قلوب كثيرة إلى هذا المكان من كل اسقاع الأرض ليجتمعوا في اطهر بقعة على وجهها لأداء مناسك الحج والعمرة بكل اللغات والألوان والجنسيات في هذا المكان يجتمع الناس ويتوحدون في أداء شعائر العمرة إحراما ونية وطوافا وسعي وحلقا وتقصيرا وصلاتا وقراءة للقرآن فهو مؤتمر إسلامي دائم يجمع المسلمين من كل بقاع الدنيا ليعبدوا الله ويوحدوه.

ويجدر بالمسلم في هذا المكان التحلي بكل خصال الخلق الحسن الذي تعلمناه من القرآن والسنة النبوية الشريفة وان نبتعد عن كل ما فيه مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية وحتى المكروه منها .

ولكن هناك كثير من الناس لا يفهمون المعاني الحقيقية للإسلام ويكتفون بالتطبيق الجسدي المجرد للشعائر دون الاهتمام بالجانب الروحي لدين السلام والمحبة والإيثار دين الخيرية للبشرية جمعاء قال تعالى (( كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، ولكن الأنانية من طبع الإنسان..حتى و إن كان بعضهم في أطهر بقاع الأرض.

في رحلة العمرة صادفت الكثير من المواقف التي تعد من قبيل الأنانية وحب الذات وعدم الاكتراث بمشاعر الآخرين مما تعطيك انطباعا بان رحلة العمرة أصبحت فقط للترويح عن النفس والتسوق خالية من المشاعر الدينية والإنسانية الخيرة التي غرسها فينا الإسلام ، وأول هذه المواقف كانت في الحافلة التي أقلتنا ، فما هي إلا دقائق من سير الحافلة حتى دوى صوت القادحات المشعلة للسجائر ومن جهات متعددة في هذه الحافلة المكيفة ورغم التنبيه على أن التدخين ممنوع إلا انه لا حياة لمن تنادي وللأسف استمر التدخين مرافقنا حتى بعد الإحرام والوصول إلى مكة المكرمة وكان البعض لا يطفئ سيجارته إلا قبيل دخوله الحرم المكي .

وبعد أول صلاة في الحرم انطلق الناس في رحلة التسوق المنتظرة عن الأدوات المنزلية والهدايا والبخور والعطور وإذا أردت أن تميز حافلة أردنية عن غيرها فستجد طناجر الضغط منتشرة في جميع أرجاء الحافلة تحت الأقدام وفوق الرؤوس وداخل الحقائب الكبيرة ، ويعود الزوار من الأسواق منهكين ويؤدون الصلاة في السكن المعد لهم متحججين بالتعب وان الثواب نفسه لان مكة كلها حرم ، وينامون عن صلوات مفروضة وكأننا في رحلة تسوق وليس عبادة ، والمصيبة الكبرى انه عند نفاذ النقود المرصودة لرحلة العمرة تبدأ الأصوات تعلوا بتقديم موعد الرحيل يوم أو يومين.

وتبدأ رحلة العودة تحت شعار غاب وجاب وتتحول الحافلة إلى باخرة من كثرة الحمولة وتصبح بباب واحد بعد أن كان لها بابين وتعلوا الركب عن البطون وتسير بحمى الرب إلى أن تصل إلى الديار بستر ربنا وتيسيره .

وتبرز مظاهر الأنانية أيضا بين المعتمرين في الطواف حول الكعبة المشرفة حيث يتدافع الناس كل يريد طريقا له ليكمل أشواطه السبعة ودون الاكتراث بمن حوله من النساء والشيوخ والعجزة وتلاحظ أثناء الطواف أمواج بشرية تدفعك بعيدا آتية من ركن الحجر الأسود ،هذا التدافع يصنعه للأسف الزوار لبيت الله الحرام بصورة ليس لها مثيل يتصارعون على تقبيله وكأن من سيقبله سيدخل الجنة بدون حساب وان مفتاح الجنة أصبح في جيبه ، ومن يحاول الاقتراب من هذا الثوران الكبير من الأجساد سيتلقى سيلا من الاكواع أو القبضات أو سيجد نفسه معلق في الهواء وجسمه محشور بين الأجسام وقد ارتفع إلى أعلى من شدة التزاحم ، ومن يريد أن يدخل هذا المعركة الحاسمة للوصول إلى تقبيل هذا الحجر الذي اسود من خطايا البشرية يجب أن يكون قوي البنية شديد الإصرار،وكم من الأشخاص من خرج من بين الزحام ودماؤه تسيل في منظر لا يوحي بسماحة الإسلام ويسره .

والغريب في الأمر أن بعض النساء الطامحات لتقبيل الحجر الأسود تدخل هذا المعترك بين أجساد الرجال متخلية عن أنوثتها وكأنها انقلبت إلى رجل فيعتصر جسدها من كل أجزائه ولا تكاد تقترب من الحجر حتى لا يبقى ما يغطي رأسها وجزء من أكتافها فهل يرضى الله ورسوله ذلك منا .

ويقترب موعد الصلاة ويبدأ المصلون بتكوين الصفوف ويتسابقون في الاقتراب من الكعبة معيقين بذلك طواف المعتمرين ويتزاحمون بصورة عنيفة ، وتنتهي الصلاة ويبدأ التزاحم الشديد على الخروج من الحرم ويختلط الحابل بالنابل ، ورغم الجهود الجبارة التي يبذلها القائمين على الحرم والتي هي بحق جهود نقف لهم تحية شكر وتقدير على الخدمة المميزة التي يحظى بها زوار بيت الله الحرام إلا انه لا يمكن السيطرة التامة على هذه الأفواج المتدفقة من المعتمرين .

وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث السكينة والطمأنينة يتدافع المصلين للوصول إلى الروضة الشريفة وبصورة تؤذي المصلين ومن يجد مكانا له في الروضة يصبح وكأنه ملك تملكه فلا يقوم منه حتى يأتي الوقت الذي يجبر فيه أن يغادر مكانه ، وبدل أن يصلي ركعتين ويفسح المجال لإخوانه المسلمين للصلاة في الروضة تصبح صلاته قيام ليل أو نوافل نهار تمتد إلى عشرين أو ثلاثين ركعة ، وإذا وقفت فوق رأس احدهم تطلب الإذن بالصلاة ركعتين نظر إليك بغضب واستهجان وهمهم بلغته أو لهجته التي لا تفهمها في كثير من الأحيان ونادرا ما تجد من يسعفك لتأخذ مكانه لركعتين تشتهيهما في الروضة الشريفة .

وبعد الصلاة يتزاحم الناس للسلام على سيد الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الطاهرين فيتدافعون وتعلوا أصواتهم في حضرة النبي الكريم بطريقة مخالفة لآداب الزيارة .

فيا ترى ماذا غيرت هذه الرحلة العظيمة في قيمنا وأخلاقنا وتصرفاتنا ، هل هي رحلة للصلاة وقراءة القران والتهجد فقد ، أم هل هي رحلة للتسوق وشراء الحاجيات والهدايا والبضائع أم هل هي رحلة نقصد فيها وجه الله تعالى والتوبة من الذنوب والمعاصي والتخلق بالأخلاق الإسلامية وتربية النفس على الطاعة والانضباط نترك الجواب لكم.

 

© Homat Alhaq Co. All Rights Reserved. Powerd by morekeys.net - شبكة موركيز